محتويات الصفحة
كلما سألت أحدهم عن المستقبل، وكيف ترى المستقبل، كانت الإجابة المعتادة من معظمهم هي: أرى آلات كثيرة تسير في الطرقات وتستحوذ على معظم أعمال البشر، وربما جاوب أحدهم بطريقة مبالغ فيها بعض الشيء بأنه يرى أن الآلات سوف تحكم العالم و يستعبدون البشر، فمن أين أتت تلك الأفكار، أو بطريقة أخرى، ما أصل تلك الأفكار.
تّعرف على فلسفة الذكاء الاصطناعي
في بداية التسعينيات ظهرت أول معالم الكومبيوتر، أو ما يسمى ببدائيات الكمبيوتر، كانت هذه الآلات تعتمد على مبدأ المهمة الواحدة، أي أنها لا تستطيع فعل أي شيء سوى المهمة التي برمجت لفعلها لا أكثر، كانت الآلات الحاسبة هي ما تحتل الجزء الأكبر من آلات هذا العصر، وكان معظمها يعمل بطريقة ميكانيكية أى بالضغط عليها، كانت الآلات الحاسبة تعد الأرقام وتقوم بالعمليات الحسابية لا أكثر، ولكن بعد ذلك وتحديداً بعد الحرب العالمية الثانية قفزت فكرة الآلات وتحولت من آلات تعمل بالضغط والحركة إلى آلات إلكترونية تعمل بالكهرباء، وصُنعت وقتها لأسباب حربية واستعمالها في أغراض الحرب مثل فك الشفرات الكتابية وما إلى ذلك، أما بعد ذلك وتحديداً في منتصف التسعينات حصلت قفزة انتقالية رهيبة في منظور الآلات والكمبيوترات، حيث دخلت هذه الآلات إلى عدة مجالات مختلفة ومنها ريادة الأعمال والمنظمات الحكومية.
رغم أن تلك الآلات لازالت كسابقتها تُعد مبرمجة إلى أنها تعد قفزة فريدة من نوعها في عصر التكنولوجيا، حيث أنها كانت تستطيع القيام بأكثر من مهمة في وقت واحد، بل وأيضاً كان يمكن إعادة برمجتها لتقوم بمهمة مختلفة عما كانت تقوم به، كل الأجهزة الشخصية الموجودة الآن بداية من هاتفك المحمول وجهاز الحاسوب الشخصي يعد تبعاً لهذه الحقبة، أي أن معظم تلك الأجهزة هي آلات مبرمجة، أما عن السنوات القليلة السابقة بدأ سطوع نجم ما يسمى بالذكاء الاصطناعي، تلك الآلات التي تستطيع التفكير بنفس طريقة الإنسان لكن ليست بنفس الدقة ولا نفس القدرة –على الأقل حتى الآن-. انتشرت تلك الآلات في كل المجالات تقريباً، وبالطبع هذه الآلات لم تأتي بهذا الذكاء من نفسها، ولا تمتلك القدرة على تطوير هذا الذكاء إلا بتدريب من الإنسان، وهذا ما يجعل الإنسان مختلفاً عن باقي المخلوقات، فالإنسان يستطيع أن يشعر بنفسه وذاته ويحس بكيانه، يستطيع الإنسان فهم إستقبال المعلومات من حواسه الخمسة، ثم يستطيع فهمها ومعالجتها، وعلى هذا الأساس يستطيع أخذ إجراء وإتخاذ القرارات. لكن ماذا سيحدث إن استطعنا إدخال هذا الذكاء إلى الآلات! هذا ما سنحاول أن نجيب عليه. الذكاء الاصطناعي هو طريقة لتعليم الآلة بطريقة توازي طريقة تعلم الإنسان وتعتمد هذه الطريقة على لوغاريتمات و عمليات حسابية معقدة.
مراحل عملية الذكاء الاصطناعي
إن الإنسان في حالة ملاحظة دائمة لما حوله، أي أنه يعرف ما يدور حوله ويستقبل تلك المعلومات عن طريق حواسه، و يعي ما تعنيه تلك المعلومات له، وعلى أساسه يمكنه توقع ما سيحدث واتخاذ قرار له. وهذا ما سنحاول فعله للآلة كي نستطيع أن نجعلها ذكية، والذكاء الأصطناعي يتكون من ثلاث طبقات وهم: طبقة جمع المعلومات من مختلف المصادر، محاولة معالجة هذه المعلومات التي تأتي على هيئة بيانات، اتخاذ قرار أو معرفة النتيجة.
تُعد مرحلة جمع البيانات من أهم المراحل في عملية الذكاء الاصطناعي بحيث يتم إدخال البيانات التي على أساسها ستكون النتائج أو التوقع الذي سيخرجه الآلة. من الأساسي أن تكون تلك المعلومات متاحة بكميات كبيرة بحيث تستطيع الآلة إخراج المتطرف وغير المألوف منها، وتكون تلك المعلومات متنوعة لتحقيق أكبر استفادة منها، ويجب أن نتأكد من صحة المعلومات المدخلة حتى تكون الآلة قادرة على إخراج نتيجة دقيقة أقرب للصواب.
أما عن طرق تعلم الآلة فهناك ثلاثة طرق هم: التعلم بمشرف، والتعلم بدون مشرف، والتعلم بالتجربة. التعلم بمشرف يكون عن طريق إدخال كمية هائلة من المدخلات مع تصنيفها للآلة، وبعد ذلك تستطيع الآلة تصنيف تلك الأشياء وحدها. فعلى سبيل المثال أنك أدخلت بيانات معظم الألوان ثم أعطيت للآلة قائمة من الألوان، تستطيع الآلة معرفة أن هذا الشيء ينتمي لقائمة الألوان، ليس هذا فحسب بل ستستطيع أيضاً تحديد اسم اللون، يتم إستخدام هذا النوع من التعلم فى التفرقة بين أنواع الأشياء ومعرفة فئتها.
أما عن طريقة التعلم الثانية وهي التعلم بدون مشرف، في هذه الطريقة يتم إدخال أكبر كمية ممكنة من المعلومات ولكنها غير مصنفة، تهدف هذه الطريقة إلى إيجاد الأنماط بين المعلومات، ولا يوجد في هذه الطريقة نواتج، فعلى سبيل المثال يتم إدخال كمية هائلة من بيانات الشراء لبعض العملاء، تبدأ الآلة بإيجاد العلاقة بين المدخلات وفي هذه الحالة تكون المدخلات هي المشتريات التي قام العميل بشرائها، فتعلم الآلة أن جميع من قاموا بشراء اللبن على سبيل المثال قد قاموا بشراء السكر أيضاً، وهذه الطريقة تستعملها مواقع الشراء على الأنترنت بحيث تُظهر للعميل مقترحات لشرائها. أما الطريقة الثالثة وهي طريقة التعلم بالتجربة، في هذه الطريقة يعتمد الفعل أو النتيجة على أمر قامت به الآلة، فتلك الطريقة لا تعتمد على مدخلات من الأساس، بل فعل قامت به الآلة فاستطاعت به من معرفة معلومة وعلى أساسها قامت بعمل ردة فعل. هذه الطريقة تستعمل أكثر في الروبوتات، فعلى سبيل المثال هناك روبوت موجود في غرفة لا يعرف ملامحها، ذلك الروبوت يستمر في السير حتى يواجه عقبة في طريقه فيستدير ذلك الروبوت ويكمل سيره في اتجاه آخر، في المثال السابق حينما اصطدم الروبوت بحائط قام بمعرفة معلومة عن طريق فعله هذا ثم حدد مكان الحائط وحفظ إحداثياته طبقاً لفعله ثم قام بالأستدارة، ويستمر الروبوت في السير حتى يستطيع تكوين خريطة في ذاكرته للبيئة الموجود فيها، وهذا هو المبدأ التي قامت عليه فكرة السيارات ذاتية القيادة.
وعلى هذا المبدأ تكون نتائج الآلة منقسمة إلى حالتين أو قسمين. أول قسم من نتائج الآلة يقع تحت عنوان النتائج المؤكدة، فمثلاً اذا وُجد محمد في الفصل فإن حضور محمد إلى المدرسة هو أمر مؤكد من حدوثه، وعليه فإن الآلة تستطيع معرفة الفئة اللونية أو السعرية لمنتج ما بطريقة لا تدع فيها مجال للشك ولا الاحتمالات. أما عن النوع الثاني من النتائج هو النتائج المحتملة، بحيث يتم فيه معالجة البيانات وتوقع إمكانية حدوث النتائج، وهذا ما يُستخدم في الكثير من المجالات، ففي حالات الطقس على سبيل المثال تجد الآلة أن الرطوبة عالية في الجو ودرجات الحرارة مرتفعة، فتتوقع الآلة إمكانية هطول الأمطار لكنها ليست متأكدة من حدوث الحدث بنسبة 100%، فرغم توقعها هذا إلا أن هناك إحتمالية بعدم هطول الأمطار في هذا اليوم.
مجالات الذكاء الاصطناعي
وعندما نقول كلمة الذكاء الاصطناعي أول ما يقفز في ذهن المستمع هي الآلية صوفي التي تستطيع التحدث وتستطيع فهم البشر وفهم نِكاتهم، تستطيع فهم المدخلات وعلى أساسها تصدر القرارات. لكن هذا فهم خاطيء تماماً، فالذكاء الاصطناعي الآن موجود في حياتنا اليومية، بل إنه تغلل في حياتنا الشخصية، في كل يوم يستخدم جميعنا تطبيق من تطبيقات الذكاء الاصطناعي عدة مرات على الأقل. فعلى سبيل المثال معظم محركات البحث المشهورة على الأنترنت تستخدم الذكاء الأصطناعي لتسهل على مستخدميها إظهار النتائج، وكل يوم يستخدم فيه أصحاب الهواتف المحمولة برنامجاً مثل مساعد جوجل للبحث الصوتي، أو برنامج سيري للآيفون، يُعد استعمالاً للذكاء الأصطناعي، والآن سوف أذكر لكم بعض المجالات التي أُشتهر فيها استخدام الذكاء الاصطناعي.
- في مجال الحركة والمواصلات ظهرت العربات ذاتية القيادة، وهي عبارة عن عربات تستطيع الإحساس بالبيئة التي حولها، وعلى أساسها تحدد ما مقدار السرعة التي يجب عليها السير بها، وأي طريق سيكون الأسرع وأي اتجاه عليها أن تسلك، وفي هذه الأيام أصبحت هذه العربات هي الأمثل في حل مشكلات المواصلات وحوادث العربات، ليس هذا وحسب بل أنها تعطي لمالكها المزيد من الوقت الذي يمكنه استغلاله بأى طريقة يود، فما هى إلا سنوات قليلة لتجد هذه العربات تستحوذ على الجزء الأكبر من عملية المواصلات.
- في مجال الطب تجد تطبيقات الذكاء الاصطناعي منتشرة، مثل الروبوتات التي تستطيع عمل العمليات التي تحتاج لدقة عالية،وتراها حاضرة أيضاً في تطبيقات الهاتف التي تستطيع تشخيص حالتك الصحية عن طريق نمط مشيك وطريقة تنفسك، وعلى نفس الصعيد ترى الآلات يمكنها معرفة تشخيص حالتك الصحية عن طريق سجلك الطبي فسهلت الكثير على الأطباء.
- في مجال الخدمات المنزلية ستجد أن هناك من الآلات ما تستطيع أن تفهم كلام الأنسان وتحلله ثم تقوم بالعمل الموكل به، تستطيع هذه الآلات الآن تنظيف المنزل و الرعاية بأصحاب البيت، مما يجعلها طريقة رائعة للرعاية بالمسنين.
وقد علمنا الآن أن مهمة الذكاء الأصطناعي هو التسهيل على الإنسان في أداء أعماله وليس أخذ مكانه فى المجتمع والسيطرة عليه كما هو معروف، فمن الشروط التي يجب أن تنطبق على أى نظام يحتوي على الذكاء الأصطناعي لكي يضمن نجاحه هو أن يسهل على الإنسان مهمته، وأن يوفر الوقت له، وأن يقوم بعمله بدقة عالية. ورغم كل ما قامت به البشرية من تقدم في مجال الذكاء الأصطناعي، إلى أننا لازلنا ننتظر الكثير في السنوات القليلة القادمة، سأذكر لكم ثلاثة ابتكارات في مجال الذكاء الاصطناعي يمكنها أن تغير شكل العالم في السنوات القليلة القادمة.
حديثنا مع بعضنا البعض تُعد الطريقة الأمثل للتواصل بين الناس، ولكن معظمنا لا يعرف أن كلامنا يمكنه أن يعبر عن أشياء أخرى كثيرة. عن طريق استخدام الذكاء الاصطناعي وتقنية التعرف الصوتي يمكننا تحليل الصوت ومعرفة النمط المستخدم، وأيضاً ومن خلالها يمكننا التعرف على بعض الأمراض مثل شلل الرعاش. ومن الابتكارات التي ستدهش البشرية السنوات المقبلة النظارة التي تستطيع رؤية الألوان ومن خلالها يمكن للأشخاص المصابين بعمى الألوان أن يروها مجدداً عن طريق النظارة التي تدمج الذكاء الاصطناعي مع تقنية التعرف على الصورة، ومن يعلم فربما نستطيع إعادة البصر للأكفاء في السنوات المقبلة.
ومن الابتكارات التي سوف تعود بالمنفعة على الكوكب بأسره هو ابتكار شرائح متناهية الصغر يمكنها تحديد التغيرات المناخية، ليس هذا فحسب بل باستعمال رقاقات من السيليكون يمكنها تحديد أنواع الملوثات الموجودة في البيئة المحيطة للمساعدة على التخلص منها، عن طريق وضع تلك الرقاقات في أجهزة متخصصة يمكنها تحديد ملوث محدد ومتابعته لمعرفة تأثيراته البيئية.
مجلة التفاحة نحو الصحة والحياة