التعب

“لا أستطيع، أريد أن أتوقف، لا أتحمل، أنا متعب”. كثيرًا ما نسمع مثل هذه العبارات في حياتنا اليومية والتي نفهم منها أن صاحبها يشعر بالتعب، لكن هل هذا أمر طبيعي؟ لِمَ يتعب الإنسان باستمرار؟ وهل يمكن أن يكون هذا التعب عرضًا لمرضٍ ما؟ ما الذي يحمل الإنسان على التوقف عن أداء مهماته؟ تابع معنا قراءة هذا المقال.

ما هو التعب؟

بدايةً، ما هو التعب؟ التعب هو شعور يشعر به الإنسان يجعله غير قادر على  استكمال أداء مهماته، ويجعله يريد أن يسترخي ويستريح أو ينام. وكل إنسان يشعر بالتعب من حين لآخر بعد القيام بمجهود شاق، لكن ليس المجهود البدني وحده هو ما يسبب التعب؛ فالاستماع إلى محاضرة طويلة عن موضوع عسير الفهم يشعرك بالتعب أيضًا، كما تزيد رغبتك في النوم بعد مذاكرة ساعتين، وهذا لأن هناك نوعان للتعب: تعب عضلي وتعب عقلي. فالتعب العضلي هو الذي نشعر به بعد القيام بمجهود بدني شاق مثل المشي لمسافات طويلة أو حمل أشياء ثقيلة، ولعل أكثر الأمثلة وضوحًا هو أول يوم تذهب فيه إلى صالات الألعاب الرياضية. وغالبًا ما يصاحب التعب العضلي الشعور بالألم الذي يأمرك أن تتوقف عن الحركة فورًا، وكلنا نسمع عن قصص العدائين الذين يتوقفون أمام خط النهاية فجأة وتضيع عليهم فرصة الفوز. لكن كيف يحدث ذلك؟ كيف ولماذا نتعب؟ حسنًا، تعتمد كل أنسجة الجسم على سكر الجلوكوز بشكل أساسي لإنتاج الطاقة، حيث يتم حرقه بواسطة الأكسجين الذي نستنشقه ليتمكن الجسم من القيام بوظيفته، وينتج من هذه العملية بعض الماء وغاز ثاني أكسيد الكربون. هذا ما يحدث في الحالات العادية في معظم الأنسجة، لكن حين تقوم بمجهود بدني شاق تصبح كمية الدم التي تصل إلى العضلات غير كافية. بمعنىً آخر، لا تصل العضلات الكمية المناسبة من الأكسجين. فتتأثر عملية حرق الجلوكوز فتنتج طاقة أقل، فلا تستطيع أن تنقبض العضلة بنفس الكفاءة. والأهم هنا أن ناتج عملية حرق الجلوكوز يختلف؛ فبدلًا من الماء وثاني أكسيد الكربون الذين يسهل التخلص منهما، ينتج حمض يسمى (حمض اللاكتيك). يسبب تراكم هذا الحمض في العضلة الشعور بالألم الشديد وعدم القدرة على تحريكها، لذلك تتوقف قدماك فجأة عن المشي وتلقي يداك ما تحملهما وتقول أنت «لقد تعبت». وأما الأعصاب فمن المفترض أنها لا تتعب لكن العقل يفعل، ويحتاج لبعض الوقت ليستعيد فيه صحته ونشاطه، وغالبًا ما يكون حينها وقت النوم. فالتعب هو استغاثة من الجسد أنه يحتاج إلى بعض الراحة كي يستعيد فيها مخزون الطاقة الذي فقده ويزيل المخلفات التي نتجت أثناء فترة بذل المجهود البدني أو الذهني.

أسباب التعب

لأننا نشعر بالتعب كل يوم تقريبًا، قد تظن أن التعب دائمًا ما يكون أمرًا طبيعيًا. لكن الواقع أن التعب قد يكون مرضيًا كعرض لخلل ما في أنظمة الجسم، فإن لاحظت أنك تشعر بالتعب بصورة أكثر من المعتاد أو دون القيام بمجهود كبير يجب أن تأخذ الأمر بجدية أكبر لتدرك السبب الحقيقي وراء شعورك بالتعب. ومن أسباب التعب ما يلي:

  • سوء التغذية: إنه لشيء بديهي أن سوء التغذية ينتج عنه الشعور بالتعب، لأن الجسم حينها لا يستطيع توفير الطاقة اللازمة للعضلات وباقي أنسجة الجسم. كما أن نقص الفيتامينات يسبب التعب أيضًا.
  • قلة النوم واضطرابه لأن النوم ضروري للغاية كي يستعيد الجسم قوته وطاقته التي استهلكها طوال اليوم، وهو ضروري لراحة البدن والمخ كليهما.
  • السرطان أيضًا يسبب شعورا بالتعب.
  • فقر الدم أو الأنيميا: حيث لا تصل إلى العضلات -والأنسجة عمومًا- الكمية الكافية من الأكسجين فلا يستطيع الجسم إنتاج الطاقة بشكل سليم.
  • الإدمان: بعض أنواع المخدرات تسبب الشعور بالتعب أو الرغبة في النوم وعدم القدرة على التركيز بصورة طبيعية.
  • الاكتئاب: وجد أن الاكتئاب يسبب الشعور بالتعب بدون سبب وفقدان النشاط بشكل ملحوظ.
  • قلة إفراز الغدة الدرقية: تفرز الغدة الدرقية هرمونًا يدعى (الثيروكسين). وهذا الهرمون ضروري لتحفيز كل العمليات الحيوية بالجسم، فنقصه يؤدي إلى الشعور بخمول شديد ونقص في طاقة وحركة الجسم، ويصاحب ذلك زيادة الوزن أيضًا في حالة تعرف باسم: التضخم البسيط.
  • مرض البول السكري: حيث يكون هناك خلل في أيض سكر الجلوكوز، فبرغم ارتفاع نسبته في الدم لا يستطيع الجسم استخدامه ويلجأ إلى حرق الدهون بدلًا منه مما يسبب الشعور بالتعب.
  • الإصابة بمرض فيروسي مثل البرد والإنفلونزا.
  • متلازمة التعب المزمن: من يعاني من هذه المتلازمة يصاب بالتعب بشكل مستمر بدون سبب معلوم، قد يكون هناك فيروس ما يسببه. وتكثر الإصابة به بعد سن الأربعين.

أعراض التعب

التعب عرض في ذاته قد يصاحبه الشعور بأعراض أخرى تعبر عن السبب الحقيقي للشعور بالتعب ومن هذه الأعراض:

  • تغير وزن الشخص، وقد يكون التغير بالزيادة أو النقص. فهذا غالبًا مؤشر لوجود خلل في التغذية أو وجود مشكلة في امتصاص سكر الجلوكوز أو في التعامل معه، كما في مرض البول السكري أو نقص إفراز الغدة الدرقية.
  • الشعور بالدوار في حالات الأنيميا أو أمراض القلب والأوعية الدموية.
  • قلة النوم أو زيادته عن الطبيعي: قد يكون هذا علامة لوجود مرض عقلي ما أو أن المريض يعاني من الاكتئاب.
  • التفكير في أفكار سيئة أو كئيبة: يُعتبر التفكير السلبي مؤشرًا على أن السبب قد يكون الحالة النفسية السيئة.
  • الشعور بالألم في موضع ما يدل على وجود مشكلة في هذا العضو والتي قد تكون هي السبب في التعب. وقد لا يكون الألم في موضع محدد، قد يكون في عضلات الجسم ككل.
  • تضخم جزء من الجسد قد ينبئ بوجود ورم أو سرطان.

تشخيص التعب

التعب شعور ذاتي كثيرًا ما يشعر به الإنسان، قد يكون طبيعيًا وقد يكون عرضًا لمرض ما، لذلك يجب على المرء الانتباه إلى طبيعة تعبه إذا كان عرضا طبيعيًا بعد مجهود مثلًا، أم أنه أكثر من الطبيعي ومخالف لعادته. ويجب ملاحظة المدة التي يستمر تعبه فيها إن كانت ساعات محددة أو أيامًا، وملاحظة الفترات الفاصلة بين نوبات تعبه هذه. وهل يصاحبها الشعور بالألم؟ وكيف ينتهي شعوره بالتعب؟ هل يتناول دواء ما في الفترة الأخيرة؟ كل هذه أسئلة سيتطرق إليها الطبيب، سيسأل أيضا على حالتك الغذائية وطبيعة نومك، وهل حدثت لك مشكلة ما مؤخرًا؟ وأهم سؤال هو: هل تعاني من أي مشاكل أخرى؟ هل تظهر عليك أعراض أخرى؟ هل زاد وزنك أم نقص؟ هل يزيد التعب على مدار اليوم أم ينقص؟ هل تشعر بالتعب أكثر في الليل أم النهار؟ فهذه الأعراض هي التي ستوجه الطبيب إلى المرض الأساسي المؤدي إلى الشعور بالتعب. بعد ذلك سيطلب الطبيب عدة فحوصات مثل صورة دم كاملة لمعرفة إن كان يعاني من فقر الدم (الأنيميا)، كما يجب أن يقوم بقياس نسب العناصر الغذائية الهامة مثل فيتامين ب12 وفيتامين د. وقد يطلب قياس نسبة السكر في الدم وقياس مستوى الهرمونات في الجسم لمعرفة إذا كان هناك خلل في هرمونات الجسم هو الذي سبب هذا الشعور بالتعب. إذا لم يتم تحديد لمرض بعد قد يطلب الطبيب فحص المخ بالأشعة خاصة إذا كانت تظهر أعراض أخرى تتعلق بالجهاز العصبي.

علاج التعب

كما ذكرنا التعب ليس مرضا في ذاته بل هو عرض لمرض آخر، لذلك يكون علاج التعب في علاج المرض المسبب له. فمثلًا إن كان السبب الرئيسي هو الأنيميا سيكون العلاج في إمداد المريض بالحديد، وإذا كان السبب هو نقص التغذية سيوصي الطبيب المريض بنظام غذائي متكامل مع إعطائه مكملات غذائية وفيتامينات. وإن كان المريض يعاني من اضطرابات في النوم سيصف له الطبيب أدوية تساعد على النوم كي يأخذ المريض كفايته من النوم والراحة. أما إذا كان السبب هو البول السكري يجب على الطبيب ضبط مستوى السكر في الدم، من خلال الأدوية التي تقلله إلى المستوى الطبيعي أو من خلال الحقن بالأنسولين. وإن كان السبب عقليًا سيكون العلاج دواء يعالج مشكلته العقلية، أو باستخدام نوع من المهدئات أو أدوية تحسين المزاج حسب حالة المريض. أما إن كان المريض يشكو من عدوى فيروسية يأخذ الدواء المخصص لإصابته، وإن كانت العدوى بكتيرية سيصف له الطبيب النوع المناسب من المضادات الحيوية وهكذا.

الوقاية من التعب

يمكن لك أن تقي نفسك من التعب ومن معظم الأمراض عمومًا بالمحافظة على ثلاثة أشياء

1 – الأكل الصحي والتغذية السليمة

فهي العامل الأكثر تأثيرًا في صحتنا حيث أن كل العمليات الحيوية بالجسم تحتاج إلى الطاقة اللازمة لحدوثها وتلك الطاقة تأتي من الطعام، كما أن كل المسارات الكيميائية بالجسم تحتاج إلى الفيتامينات والعناصر المعدنية لإتمامها بشكل سليم. لذلك يجب أن يكون الغذاء الذي نتناوله صحيًا ومتكاملًا دون التركيز على نوع معين من الطعام دون الآخر، فلا يجب أن تتناول النشويات فقط دون أن تحصل على كفايتك من البروتينات. كما ينبغي أن تحرص على تناول الفاكهة والخضراوات يوميًا.

2 – النوم الصحي

يؤثر النوم كثيرًا على الحالة النفسية والعقلية والصحة الجسدية للإنسان. فمن المهم أن تنال كفايتك من النوم دون زيادة أو نقصان. وتختلف عدد ساعات النوم التي يحتاج إليها الإنسان من شخصٍ لآخر حسب طبيعته و المجهود الذي يبذله، لكن غالبًا ما يحتاج المرء من 6.5 إلى 8 ساعات من النوم يوميًا. ويُفضل أن تنام ليلًا في الظلام، لأن ذلك أكثر تماشيًا مع طبيعة الهرمونات في الجسم ومواعيد إفرازاتها. ُيفضل أيضًا أن تكون مواعيد نومك واستيقاظك ثابتة قدر الإمكان كي لا يحدث خلل في الساعة البيولوجية في الجسم.

3 – سلامة الصحة النفسية

كثيرًا ما نستهين بالحالة النفسية ولا نتخيل حجم تأثيرها العظيم على الإنسان. الأمر يتخطى الحالة المزاجية أو الشعور بالحزن أو السعادة؛ تؤثر الحالة النفسية على الجسد أيضًا، على نشاطه وحركته وقدرته على التفكير. وتؤثر على المناعة والجهاز الهضمي، فلا عجب أن يكون من أسباب التعب الحالة النفسية السيئة، بل هو أمر وارد جدًا. لذلك احرص على التخفيف من توترك، استمتع بالعطلة، اخلق لنفسك وسيلة ترفيه دائمة، واحرص على وجود علاقات طيبة مع من حولك لتشعر بالسعادة قدر الإمكان.

إذا حافظت على هذه الأمور الثلاثة تضمن سلامة صحتك بنسبة كبيرة، وتقي نفسك من الشعور بالتعب والمشاكل التي تترتب عليه. يتطلب ذلك منك بعض الجهد بالطبع، لكن كل شيء يهون أمام صحتنا، فهي أغلى ما نملك ويجب أن نحرص عليها قدر المستطاع.