محتويات الصفحة
اليوم و أنت تعيش في مجتمع أكثر انفتاحاً على المجتمعات الأخرى، مجتمعات تتمسك بديانات و اعتقادات فكرية أو دينية تكاد أن تكون غريبة بعض الشيء بالنسبة لك، فهل يمكن أن نطبق مفهوم التسامح الذى بيّنه و وضحه الاسلام؟ هل يعني مفهوم التسامح التقبل، و الاحترام أو بمفهوم أشمل الانفتاح؟ في هذا المقال نريد أن نطّلع على أهمية التسامح بالنسبة للبشرية جمعاء، و تطبيقه في جميع نواحي الحياة الإنسانية. هل يشمل التسامح جميع جوانب الحياة الإنسانية؟
مفهوم التسامح في الاسلام
التسامح في الاسلام يدل على العفو و الصفح عند المقدرة، حيث تأتي كلمة التسامح مشتقة من سمح و سماحة و لديها العديد من الاشتقاقات اللغوية الأخرى غير أنه ينصب معانيها كلها للدلالة على الجود و الكرم و العطاء و السعة و اللين و التساهل و الموافقة على الطلب.
- “و كما ذكر الدكتور حسن عبد الجليل عبدالرحيم في كتابه التسامح في القرآن الكريم، في بيان معنى التسامح لغة و إصطلاحاً” فإن كل دلالات معنى التسامح لغةً المذكورة تدل على السمات الأخلاقية و الإنسانية الرفيعة،
- أما في القرآن الكريم فإن للتسامح صور عديدة بيّنها الله لنا في سور و وجهنا إلى التمسك بها و جعلها مبدأ من مبادئ الإسلام التي لا يمكن فصلها عنه، فنجد في هذه الآية مثلا، قال الله تعالى: (وَلاَ تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) حيث تدعو الآية إلى النقاش و الإرشاد إلى الحق متبعين في ذلك أسلوب الين و الطريقة الحسنة. و يظهر في ذلك سمات القرآن الكريم السمح.
- لما نزلت الآية الكريمة: (خُذْ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنْ الْجَاهِلِينَ)، قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: “ما هذا يا جبريل؟” قال: إن الله أمرك أن تعفو عمن ظلمك، و تعطي و تعطي من حرمك و تصل من قطعك، هذه الآية تدل على التسامح و العفو عند المقدرة و إسداء المعروف.
- و كما نعرف أن كلمة العفو هي اسم من اسماء الله الحسنى التي تعنى محو السيئات و التجاوز عن المعاصي، أي نسيان كل ما مضى و محوه، ستجد في هذا الفيديو تفسير رائع شرحه الشيخ محمد راتب النابلسي في معنى الآية الكريمة.
هنالك آيات كثيرة في القرآن الكريم أبرزت و أوضحت سماحة ديننا الإسلامي و لين أسلوبه في الدعوة و تقبله للأديان الأخرى و التعايش معها بكل سلام و أمان.
هل يمثل التسامح مبدأ مهم للمجتمعات غير المسلمة
يتضح إن نظرنا عن كثب في تاريخ القرون القديمة قبل القرنين السادس عشر و السابع عشر أن مشكلتهم في ذلك الوقت هي مشكلة فكرية و تطورت و أصبحت نزاعات ثقافية و تعصب فكري و ديني، فقديماً، حيث لم تكن لديهم ثقافة أو مبدأ تقبل أفكار جديدة أو دين جديد أو حتى ثقافة جديدة. فهذا يقارب ما كان يعانيه الرسول صلى الله عليه و سلم في بدايات الدعوة الإسلامية.
- و لهذا جاء مصطلح التسامح ليعبر عن التساهل الفكري، و التسامح الديني الذي فُقِد في تلك القرون البائدة. الذي كان ينتشر فيها التعصب و التمييز العرقي و الديني الذي أدى إلى العديد من الحروب، و نسفت العديد من الجماعات، كذلك كانت تقابل أي ممارسات أو اعتقادات جديدة بالرفض و ينظر إليها بالشذوذ و الاضطهادات، وهو نفسه ما كان يعانيه اليهود خلال القرون الوسطى في جميع أرجاء أوروبا عدا بولندا من إضطهادات قُبِلت بالعداء.
- فبعد أن عرفت هذه المجتمعات بمصطلح التسامح و أهميته استخدم في العديد من الجوانب الاجتماعية و الثقافية و الدينية، و هذا على حسب ما عرّفه موقع ويبكيبيديا، حيث يعبر التسامح إلى تقبل الممارسات و العادات غير المتفقة مع طبيعة عاداتك أو اعتقاداتك، و يبدو أن العديد من الجماعات الدينية آنذاك كان لديها رفض شديد للغاية لأي ممارسات لا تتفق معها، و تدعوها بالشذوذ.
- و من أمثلة أشكال الاضطهادات المعروفة و التي لا تزال تذكر إلى الآن هي الاضطهاد العرقي التي مارسته الدول الغربية على الزنوج آنذاك حتى قيام الثورة التي قادها مارتن لوثر.
التسامح يعني السلام
إن مصطلح التسامح مصطلح شمولي – إن صح القول – يشكل معنى التعايش و التقبل في ظل الاحترام و التواضع مع أي ممارسات سواء كانت دينية أو ثقافية تعارض تماماً ما تعتنقه، كذلك يشمل مصطلح التسامح معنى الحرية و السلام و نبذ العصبية القبلية- قد لا يستغرب أحدهم رفض البشر او اضطهاد أي ممارسة غريبة عنهم لأن البشر دائما ما يعتريهم الخوف من الأشياء الجديدة أو الغريبة – غير أنه في هذه الحالة يلزم تفهمها و مقابلتها بالسلم و ليس التعصب و الاضطهاد.
إنما يدعو إليه الإسلام من خلال التسامح هو التعايش و نشر السلام بين الشعوب و الأمم، لأن الإنسان يحتاج إلى التعايش السلمي من أجل اعمار الأرض – لذلك لا عجب بأن يكون التسامح من أهم مبادئ الإسلام- ففي قوله تعالى : (قال تعالى: وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا…) نهى الله تعالى عن التفرق و أمر بالاجتماع و الائتلاف، و ذكر بأنه نعمة منه تستوجب الحمد و الشكر، فالاختلاف كما هو معروف يؤدي إلى الفرقة و الشتات و الاضطهاد، و في الأخير يؤدي إلى التعصب و قيام الحروب في البلاد.
مجلة التفاحة نحو الصحة والحياة